علي بن أحمد المهائمي

562

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

( فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه ) الصورة الكاملة المتعقلة للمجردات ( الإنسانية ) بخلاف الملائكة ، ومن صار في حكمهم كإلياس عليه السّلام ، ولا ينافي حكم الوهم فيه كماله ، إذ ( به جاءت الشرائع المنزلة ) التي لا يتم إدراك العقل بدونها ، كما لا يتم إدراك الحواس بدون الشمس ، وإن كانت الشمس إنما تدركها الحواس ، ( فشبهت ) بحكم الوهم ، ( ونزهت ) بحكم العقل لصحة إدراكهما ، فجمعتهما في موضع واحد ، إذ ( شبهت ) في مقام ( التنزيه بالوهم ) ؛ فإنه يتبادر إليه عند ظهوره في المظاهر بصورها أن له هذه الصور في ذاته مع تنزهه في ذاته عنها ، ( ونزهت ) في مقام ( التشبيه بالعقل ) ، فإنه يقول : أنه وإن ظهرت له هذه الصورة في المظاهر ، فهو على تنزه الرائي ؛ لأن ما بالذات لا يزول بالغير ، ( فارتبط الكل ) من التنزيه والتشبيه ( بالكل ) من غير تناقض ، بل على سبيل الوجوب ، ( فلا يمكن أن يخلو تنزيه عن تشبيه ، ولا تشبيه عن تنزيه ) ؛ لاختلاط حكم العقل والوهم من غير مفارقة أحد الحكمين للآخر . [ قال اللّه تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، فنزّه وشبّه ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] فشبّه ، وهي أعظم آية نزلت في التّنزيه ، ومع ذلك لم تخل عن التّشبيه بالكاف ؛ فهو أعلم العلماء بنفسه ، وما عبّر عن نفسه إلّا بما ذكرناه ، ثمّ قال : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [ الصافات : 180 ] ، وما يصفونه إلّا بما تعطيه عقولهم ، فنزّه نفسه عن تنزيههم إذ حدّدوه بذلك التّنزيه ، وذلك لقصور العقول عن إدراك مثل هذا ] . والدليل على الجمع بينهما في الشرائع ما ( قال اللّه تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، فنزه ) بنفي مثل المثل أولا ، ولزمه نفي المثل ثانيا ، وإلا كان نفسه مثلا لمثله ، ولكنه نسبه أولا ، إذ لم ينفه المثل من أول الأمر ، ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، فشبه ) تصريحا بما فهم أولا من التشبيه في ضمن التنزيه ، فعلم أن هذا التشبيه أيضا في ضمن التنزيه ، كما أن ذلك التنزيه في ضمن التشبيه ، ( وهي أعظم آية نزلت في التنزيه « 1 » ، ومع

--> ( 1 ) التنزيه : هو تعالى الحق عما لا يليق بجلال قدسه الأقدس ، والتنزيه على ثلاثة أقسام : تنزيه الشرع ؛ هو المفهوم في العموم من تعاليه تعالى عن المشارك في الألوهية ، وتنزيه العقل : هو المفهوم في الخصوص من تعاليه تعالى عن أن يوصف بالإمكان ، وتنزيه الكشف : هو المشاهد لحضرة إطلاق الذات المثبت للجمعية للحق ؛ فإن من شاهد إطلاق الذات صار التنزيه في نظره ، إنما هو إثبات جمعيته تعالى لكل شيء ، وإنه لا يصح التنزيه حقيقة لمن لم يشاهده تعالى كذلك ( لطائف الإعلام ص 94 ) .